Thursday, February 20, 2014

كُن صلاح ولا تكن إبراهيم سعيد!

فاكرين صديقى العزيز بتاع مقال فانتازيا اللى إتكلمنا أنا وهو عن مراهقة الفراخ وأحلام ميكى ماوس؟ لأ؟ مش مشكلة المهم ان هذا الصديق العزيز أحب اذكر اسمه فى هذا المقال بالذات لسببين؛ اولهم لأن كلامنا معا يوجد به بعض الإلهام الخفى وثانيا لأنه من يستمع إلى شكاوى وزهق وملل لا حصر لها منى.. شكرًا يا يوسف، محادثاتنا القصيرة اللى مش بنفكر إحنا بنقول إيه وإحنا بنتكلمها تجعل الكتابة اسهل نوعًا ما.

كنا نجلس صامتين قامطين كالعادة، لا أحب الكلام ولا أعرف كيف اعبر شفهيا بما يدور فى بالى، ثم استرسلت فى الحديث عن "مرقعتى الفارغة" اللى هى بالنسبة لى مش مرقعة طبعًا هو مجرد كسل لا أكثر ولا أقل.. ظل يوسف يستمع إليّ ولا يعقّب حتى ساد صمت مرة أخرى..

هو: إنتِ عارفة إبراهيم سعيد؟
أنا: أه طبعًا عارفاه إيه السؤال الساذج ده وإيه علاقته باللى قاعدة بتكلم فيه مش فاهمة!
هو (متجاهلا إستنكارى وبداية غضبى من تجاهل كلامى): عارفة مشكلة إبراهيم سعيد إيه أو بمعنى اصح إيه اللى ضيّعه؟
أنا: يمكن تسريحاته العظيمة مثلًا؟ ولا الماسكارا الحمرا اللى كان بيعملها فى شعره؟ ولا يمكن مثلًا طولة لسانه وطول إيده.. أظن انت فاهم انا بتكلم عن إيه كويس!

هو (متجاهلا كلامى للمرة الثانية على التوالى) : إبراهيم سعيد تقريبا كان أحرف لعيب فى مصر كلها، فعلًا لعيب مابيخرش المية زى ما بيقولوا، بس هو اللى ضيّع موهبته بإيده.. مكنش مثلا يحب ينزل التمرين، يقولك أنا مش عايز أتمرن! أنا نزلونى بس العب ماتشات وهلعب كويس.. يا عم إزاى؟ يهديك يرضيك مفيش.. لحد ما إنتهى إبراهيم سعيد..

أنا: آه ماشى حلو وجميل، ربنا يصبره إن شاء الله، إيه بقى؟
هو: عارفة محمد صلاح؟
أنا: أنا بدأت ازهق على فكرة!
هو (غير مبال بشرارات غضبى): اهو صلاح ده لعيب بس فى نفس الوقت شاطر، واد منضّف دماغه وماشى كما يقول الكتاب، محدش سامع له صوت.. بيشتغل وبيشتغل كويس وعشان كده بينجح ولو فضل على نفس طريقته دى هيبقى من انجح لعيبة الكورة فى العالم كمان مش فى مصر بس.
أنا: ربنا يوفقه.. ياريت نركز شوية فى اللى أنا عمالة بتكلم فيه بقالى ساعة، أو بُص ماتركزش انا قلت الكلمتين اللى عندى وفرغت الطاقة السلبية خلاص.. نغيّر الموضوع.
هو: مشكلتك بقى إنك بتحدفى ناحية إبراهيم سعيد مش عارف ليه!

عندما تتأمل يا قارئى العزيز احوال كلا من صلاح وإبراهيم سعيد، تجد فيهما مستقبلك إما اسود زى ابراهيم سعيد او مستقبل مشرق مثل محمد صلاح، إبراهيم سعيد اللاعب الذى يبلغ من العمر الان 35 سنة.. كان زمانه لسه بيلعب لحد دلوقتى ومكسّر الدنيا لو قدّم شوية التزام فى التدريبات وإحترام وهدوء بدلا من مشاجراته مع اى حد بيعدى قدامه.. إبراهيم سعيد الآن لاعب نتذكره كل فين وفين وياريت بالخير.. يوم ما قرروا يعملوا فيلم "العالمى" ودوّروا على لاعب كرة بايظ وضاع بيحاول يضيع مستقبل الممثل يوسف الشريف معاه قرروا يجيبوا ابراهيم سعيد فى الدور ده! إبراهيم سعيد الآن قاعد "مقّتب" 24 ساعة على تويتر كل اللى بيعمله إنه بيشتم فى الأهلاوية وأبو تريكة و"يشرشح" للى رايح واللى جاى..

محمد صلاح بقى، صامت متجاهل معظم الإعلام وما يقال وما يشاع عنه، مجتهد وبإجتهاده وتركيزه الصامت حصد اول ثماره، نادى تشيلسى وهو لسه عنده 21 سنة.. لا يتحدث إلا بالحُسنى ومش "جعجاع"..
كلاهما موهوب، لكن اللى فرق بين الإتنين هو الشغل وطريقة التعامل والطريق الذى سلكه كلا منهما.

من بعد إنتهاء تلك المحادثة المبهمة، وأنا أتعامل مع إبراهيم سعيد وصلاح كمصطلحان كلا منهما يعبران عن حالتنا النفسية يعنى مثلا "أنا إنهاردة إبراهيم سعيد اوى" وهذا معناه اننى لم أنجز شئ مفيد فى يومى، أو أننى قررت "التنفيض" لحدث مهم فى عملى عشان كسلانة أو ماليش مزاج. وعلى النقيض "أنا صلاح جدًا اليومين دول" وهذا يعنى انى فى الفورمة ومركزة وبشتغل بجد وبطلت شكوى وأعذار.. بحاول أبقى صلاح على أد ما اقدر، ده مايمنعش ان إبراهيم سعيد بيسيطر على أوقات كتير من حياتى..

حكمة الأسبوع: كُن صلاحًا ولا تكن إبراهيم سعيدًا.

Saturday, February 15, 2014

بلد العميان للكاتب هـ.ج. ويلز 1904

 * تلك القصة من علامات الأدب الإنجليزى وهى من أشهر وأعظم القصص القصيرة التى كُتبت، بالتأكيد لم اختر تلك القصة بالذات عشان هى بس من علامات الادب الإنجليزى وقبل ان تفتح بُقك ايها القارئ السعيد فها أنا ابسطها عليك.. اخترت تلك القصة بالذات لأن تهدف إلى إسقاط على وضع حالى نعيشه يتشابه مع الحالة التى تناقشها القصة بشكل غير مباشر.. الآن وقد عرفت المغزى من هذا المقال، افسح لى مجالا وأنتخ على كرسيك وأنت تقرأ وتمعن وفكّر..

بدأت الحكاية عندما قرر بعض مواطنين دولة بيرو الهروب خوفا من بطش الإحتلال الأسبانى إلى واد خفى حتى لا يعثر عليهم الاسبان ويقتلوهم، ولأن دائما سوء الحظ لا ينتهى عند مستوى معين، وقع زلزالا ضخما ادى إلى تغيير شكل الجبال المحيطة بهذا الوادى وانعزل المهاجرون تماما عن العالم الخارجى. ولأن ايضا سوء الحظ دائما يزداد سوءا للمُرزقين.. انتشر مرض غريبا بين سكان هذا الوادى من المهاجرين ادى إلى اصابتهم بالعمى.. فسّر بالطبع بعض الجهابذة منهم هذا المرض بأنه ابتلاء من الله بسبب خطاياهم، تكاثر سكان الوادى ونتج عنه سلالات لا ترى فاقدة للبصر بنسبة 80% تقريبا – يادوب بيحسسوا يعنى-.. ومع الوقت باقى حواس سكان الوادى ازدادت قوة بسبب عميانهم مثل حاسة الشم والسمع وقوتهم البدنية ايضا وفى نفس الوقت زادت الأهداب "الرموش" على اعينهم واخذت عينهم فى التضاؤل.

ظل هؤلاء العميان منعزلون تماما يعيشون حياتهم بعيدا عن العالم الخارجى الذى تاه شكله بين أجيال كبرت على الظلام الدامس.. وفى تلك الأثناء، قرر عدد من المغامرين ومتسلقى الجبال بتسلق جبل من الجبال التى تحيط بهذا الوادى – وطبعا مايعرفوش ان فيه وادى اصلا-، من بينهم كان هناك مغامر يُدعى نونييز.. إثناء تسلق نونييز للجبل انزلقت إحدى قدميه بين الصخور نتج عنه سقوطه لكنه وقع على وسادة ثلجية وشاء القدر ان يقع فى هذا الوادى تحديدا.. ظل المغامرون اصدقاءه يبحثون عنه بشتى الطرق ولكنهم فقدوا الامل فى العثور عليه تماما.

عندما استعاد نونييز وعيه بعد تلك السقطة، ظل يمشى على امل ان يجد اى انسان يستطيع مساعدته للعودة، لكنه رأى بيوتا فاقعة اللون تضر بالبصر واندهش من اختار تلك الالوان، بالطبع تم القبض على الدخيل من قبل سكان الوادى، ثم اقتادوه لكبيرهم.. حكى له نونييز حكايته، بالطبع لم يصدق كبير القبيلة ان هناك بشر ترى.. اخذوا يجرون له الإختبارات التى تثبت صحة اقواله، نونييز كان فاكر انه ممكن يبقى برنس عليهم بمنتهى البساطة عشان هو بيشوف وهما لأ.. كان غلبان!

"طب لو بتشوف بقى زى ما بتقول لنا، الواد بيدرو جاى علينا دلوقتى ولا لأ؟".. كان بيدرو جاي لهم فعلا، ولكن لسبب غير معلوم غير طريقه. المهم كلمة منه على كلمة منهم قرروا انه مجنون وان عينيه اللى باينة دى ما هى إلا تخاريف. اخذ يسمع منهم نونييز عن الملائكة التى تحرس السماء وكانوا بيقصدوا بيهم الطيور وكانوا على يشعرون بالليل والنهار على حسب حرارة المناخ من حولهم..

قرر نونييز الهروب فى ليلة.. لكن هيهات قدميه المصابة حالت دون ذلك، تم القبض عليه على الفور وطبقوا عليه عقوبة الجلد، ادرك نونيير ان لا مفر منهم على الإطلاق وعليه ان يخضع لقوانينهم.. فأستسلم لهم وأقر ان ما يقوله هى تخاريف.. عاش نونييز فى الوادى لأسابيع يعمل لحساب شيخ منهم يدعى جيكوب.. أحب نونييز إبنه جيكوب فهى الوحيدة التى كانت تصدق حكايات نونييز وتؤمن به.. وفى يوم قرر نونييز طلب الزواج منها رسميا.

عارضت القبيلة كلها هذا الزواج، من هذا المخبول الأقل شأنا منا ويتزوج واحدة من بناتنا؟ المهم الحكيم بقى اللى فيهم قالك إيه.. خلاص هو لو عايز يتجوزها نعمله عملية نشيل له فيها عينه اللى مضايقانا دى ويبقى أعمى زينا.. وافق نونييز على الإقتراح بعد ان ترجته حبيبته.

فى الصباح الباكر ليوم العملية.. وقف نونييز يتأمل السماء وألوانها والطيور واشكالها.. متّع نظره بالأشجار ولون الشمس والسحاب، تفاصيل بالتأكيد سيفتقدها.. فى تلك اللحظة فقط قرر نونييز تسلق هذا الجبل الذى أمامه والهروب بأى وسيلة ممكنة.. حتى حبه لحبيبته لن يكون سببا فى جعله أعمى جاهلا!
بالفعل نجح نونييز فى الهروب على الرغم من ملاحقة العميان له..

Saturday, February 8, 2014

ما فعله الدكتور بالعيَان!

لهذا المقال سببان، الاول ربما جاء بدافع كرهى للأطباء عامة فى شتى المجالات، لا أذهب للأطباء إلا مضطرة وتحت ضغوط إما عائلية او جسدية تحتم علي التخلى عن هذا الكره بمخاوفه. أما السبب الثانى هو مقابلة صُدفة لإحدى صديقاتى وهى طالبة فى كلية طب أسنان الأسكندرية، وآخر فى جراحة القاهرة او عين شمس لا اتذكر بالتحديد. بالطبع لن اجرؤ على ذكر اسم صديقتى والتى كان لها الجزء الأكبر فى كتابتى هذا المقال، لأن بذكر إسمها ولو وقعت المجلة فى إيد حد من دكاترة جامعتها الطيبين ولاد الأصول سوف يتم وضع علامة "كروس" كبيرة عليها وتقريبا مش هتنجح ومش عايزين نضيّع مستقبل البنت.

من الطبيعى او على الأقل الطبيعى بالنسبة لى ان الطبيب فى اى مستشفى او مستوصف يخدم المريض خدمة على الاقل ايضا يجب ان توصف بالجيدة، هذا دوره الطبيعى فى المجتمع، ولكننا لسنا فى مجتمع طبيعى اصلا ولسنا نتعامل مع بشر طبيعيين بل على الأحرى نتعامل مع "زومبيز"!

صديقتى تلك كعادة كليات الطب تنزل نوع من انواع التدريب فى بعض المستشفيات كتأهيل لها قبل تخرجها الفعلى من الكلية، تدريب عملى يعنى، ومع إنها فى طب أسنان لكن فى الأول تقريبا بيتعلموا اساسيات الطب البشرى كمان. هذا التدريب العملى طبعا بيتم على مرضى حقيقيين وهؤلاء المرضى ينقسموا إلى جزئين، الاول جزء يتبرع من تلقاء نفسه ليتم التجربة عليه لأنه لا يملك المال الكافى للذهاب لطبيب مختص ويكتب إقرارا بأن هذا التدريب على مسئوليته الشخصية يعنى المستشفى ولا الدكاترة الصغيرين اللى ممكن يغلطوا ليهم دعوة لو هو حصله حاجة.. وعن هذا الجزء من المرضى تحديدا دعنى اقص لك قصة ظريفة حدثت مع زميلة لصديقتى فى كلية طب اسنان الاسكندرية؛

شخص فقير نوعا ما، راح للعيادة المجانية الخاصة بالكلية عشان يعالج اسنانه، كبعا لازم يتعمل له تحاليل لو كان بيعانى من مرض ما عشان بيبقى له جرعات معينة من البنج مثلًا حاجة زى كده. بالفعل قاموا بإجراء له تلك التحاليل وجاءت طالبة متمرنة لمعالجة اسنانه ونست تماما انه يعانى من مرض السكر وجراء هذا تقريبا على ما اذكر اعطت له جرعة زائدة من البنج او العكس، المهم ان الفتاة فوجئت بنزيف حاد وعنيف من المريض وارتبكت وتوترت وادى هذا الارتباك والتوتر إلى عدم طلبها للمساعدة وبالتالى ادى إلى وفاة المريض.. جاءت زوجته باكية واجُبرت على الإمضاء على ورقة تعفى الكلية والفتاة من اى مسائلة او مسئولية.. لم تُعاقب الفتاة ولم تأخذ الكلية اى إجراء استثتنائى بسبب تلك الواقعة والفتاة حية تُرزق مستمتعة بحياتها وبتكشف على عيانين لسه عادى!

أما الجزء الاخر من المرضى هم المعالجون على نفقة الدولة، وما أدراك ما الدولة، يتم وضعهم فى مستشفيات حكومية يخضعون لعلاج بدائى ومقيت وايضا معرضون لأن يتم الكشف عليهم فى جولات الطلاب من كليات الطب المختلفة.. وعن هذا النوع دعنى اقص لك حكاية اخرى؛

توجهت مجموعة من طلاب كلية طب الأسكندرية إلى مستشفى ما للكشف على حالات مرضى السرطان الذين يتم علاجهم على نفقة الدولة، منها حالة وهى سيدة فى الخمسينات او الستينات من العمر تعانى من سرطان الثدى، ريفية بسيطة غير متعلمة، ساءها حظها وفقرها للحصول على علاج على نفقة الدولة.. طلب الدكتور المسئول عن مجموعة الطلاب بالكشف عليها وكتابة تقرير عن حالتها، رفضت السيدة رفضا قاطعا ان تكشف عن ثدييها لأيا من الطلاب، وحده الطبيب المسئول عن حالتها هو المسموح له بالكشف عليها حسب اقوالها، توجهت احد الطلاب للطبيب المسئول عن المجموعة وشرحت له رفض السيدة، ما كان من الدكتور إلا "الشخط" و"الزعيق" فى السيدة المريضة آمرا لها بالكشف عن ثدييها حتى ينتهى من تلك الجولة.. لم يتدخل اى مسئول فى المستشفى للدفاع عن تلك السيدة وعندما قام احد الطلاب بالدفاع عن حق المريضة قوبل بالطرد من المجموعة وفى النهاية كشفت السيدة راضخة ومستسلمة عن ثدييها وسط اشمئزازها من الطلاب ووسط دموع تساقطت من عينيها!

هذه القصتين ما هما إلا جزء بسيط مما يحدث داخل كليات الطب ومستشفيات مصر الحكومية على مستوى الجمهورية، على الأقل هذا ما عرفته انا فقط، والقصص الأخرى كثيرة لا يكفيها تلك الصفحة فقط، وعلى الرغم من هذه الحكايات معروفة ومعتادة عند طلاب كليات الطب وعند الأطباء ايضا وهى ليست بالجديدة إلا ان حتى الآن يتم التعامل مع مريض الحكومة والمريض الفقير أنه حقل من التجارب.. لا توجد اى رحمة او آدمية فى التعامل مع مرضانا مثل مصابين الثورة مثلًا الذين يتوفوا واحدا تلو الآخر جراء ايضا ما يسمى "بالعلاج على نفقة الدولة".. دولة الزومبيز تحكم!

Wednesday, January 29, 2014

شاركت فى 28 يناير.. بس مش بالظبط!

لا ينفك الجميع عن التفاخر بالمشاركة فى ثورة 25 يناير، ويتحدث عن ذكرياتها وذكرياته عندما قرر ان يتحدى رغبة اهله فى ان يمشى جنب الحيط وكيف واجه خرطوش ورصاص الداخلية ووقف امام المدرعة وعمل شقلباظ والكثير والكثير من الحكايات التى بالتأكيد زاد عليها شوية خيال علمى لتصبح ثورة 25 يناير ملحمة.. وهو ما لا انكره عنها وأنا من اشد مؤيديها حتى تلك اللحظة التى اكتب فيها كلامى هذا..

حكايتى أنا مع 25 يناير تقريبا تعد من أغرب ان لم تكن بالفعل الأغرب، شاركت فيها غصب عنى، ومكنتش اعرف عنها حاجة والله يا بيه! لنبدأ من يوم 24 يناير تحديدا..
24 يناير 2011، كنت فى مدينتى الاصلية الاسكندرية وسط والدتى واختى الكبيرة والصغيرة، اتصفح فيسبوك ورأيت إيفينت 25 يناير يوم الثورة على ممارسات الداخلية وإلخ إلخ.. وبالنظر إلى وقفات خالد سعيد قبلها بكام شهر، ماشى كنت عارفة ان حاجة هتحصل بس مش ثورة يعنى يا جماعة وتونس والكلام اللى بتقولوه ده..

يشاء القدر ان الإنترنت يقطع فى بيتنا يوم 25 يناير الصبح – كنا دافعين الفاتورة والله!- وأصبحنا انا وأختى منعزلين عن العالم، خاصة وان فى نفس الوقت واللحظة الدِش بتاع البيت باظ هو كمان! فأصبح لا ملاذ لنا إلا صباح الخير يا مصر والنشرات الإخبارية والافلام الابيض واسود بليل..

يوم 25 يناير تحديدا كنا نشاهد نشرة الأخبار الصباحية والمسائية وظلت المذيعة تؤكد وتشدد انه لا توجد اى مظاهرات فى الشارع المصرى كما يحدث البعض، بل وقامت بعرض بعض المشاهد لايف من ميدان التحرير والشوارع المحيطة وهى هادئة تماما وان ما يقال ما هو إلا زعزعة استقرار الويك إند السعيد المقبلين عليه.. قد تسألنى عن الاهل والاقارب ولماذا لم يقوموا بالإتصال بنا لإيصال وتوضيح الصورة.. صدقنى ماعرفش، تيتا كانت تعبانة تقريبا وخالتى كانت بتذاكر لولادها عشان عندهم إمتحانات ومانعة حد يقرب من زرار فتح التلفزيون..

ظللنا هكذا، معميين عن كل ما يحدث خارج شقتنا وخارج شارعنا، وشاءت الاقدار ايضا ان تكون والدتى اجازة من شغلها، وقررنا انا وأختى الا نخرج مع اصدقائنا ونستمتع بويك إند عائلى نحب فيه بعض ونقضى بعض الوقت سويا لأننا معظم الوقت متفرقين بين عمل أمى وعمل أختى وخروجاتى مع اصدقائى وجامعتى..

فى الفترة من 25 يناير حتى 27 يناير ليلا، كنا مازلنا منقطعين عن العالم، ومازال التلفزيون المصرى يمطئننا نحن والسادة المشاهدين فى البيوت، لا يوجد شئ على الإطلاق.. الجو مشمس على عكس توقيتنا الشتوى والدنيا لطيفة.. وبناءا على تلك الأخبار، قررنا يوم الخميس 27 يناير ان غدا الجمعة 28 يناير سوف نخرج صباحا لتناول إفطارنا فى اى مكان نستمتع فيه بالجو اللطيف.. ويك إند عائلى فاخر!

بالفعل، جاء يوم الجمعة المشهود، جمعة الغضب بالنسبة للناس كلها وإحنا بالنسبالنا جمعة الإفطار.. ارتدينا ملابسنا وقررنا الذهاب لمول جنب البيت "جرين بلازا" لتناول إفطار خفيف فى كوستا الجديد هناك.. ركبنا العربية ومشينا لأخر الشارع جايين ندخل جرين بلازا نلاقيه قافل! طبعا كل ما دار فى بالنا أنا وعائلتى ان الناس دى مجانين.. يقفلوا إزاى فى يوم جمعة العائلات كلها بتيجى فيه؟ اكيد فيه تجديدات فى المول.. نرجع البيت؟ لأ طبعًا، قررنا الذهاب لكوستا كافيه بمنطقة ستانلى على البحر.. المنظر حلو والبحر قدامنا وهادى.. انطلقنا من منطقة سموحة فى إتجاه نفق الإبراهيمية ومنه إلى الكورنيش.

كان نفق الإبراهيمية تقريبا هو نقطة "الخضّة" والإستغراب والدهشة ومشاهد "فتح البُق" من الذهول.. بعد ما عدينا نفق الإبراهيمية، وجدنا أمامنا نقطة شرطة الإبراهيمية متفحمة تماما.. اوراق مبعثرة فى الشارع بطوله وعرضه.. العديد من المتظاهرين أمام نقطة الشرطة منفعلين وهرج ومرج.. هو فى إيه؟

ظللنا متسمرين فى مكاننا، لا نعلم من هؤلاء.. ولماذا ورق القسم مبعثر على الطريق، لم نفق من هذا الذهول إلا 
على مسيرة كبيرة تمر بجانبنا تهتف "الشعب يريد إسقاط النظام!".. نعم؟ شعب مين يا جماعة ما تصلوا على النبى فى قلبكم كده! ونظام إيه.. إحنا فين وإنتم مين اصلا؟ لقيت إبن عمتى ماشى فى المسيرة وبيهتف، طبعًا جبناه من قفاه، فى إيه يا معتز؟ فى ثورة.. ثورة إيه يابنى! والله فيه ثورة والبلد والعة!! تركنا معتز لأصدقائه ومسيرته.. وقادنا الفضول لرؤية البلد الوالعة وإحنا مش حاسين..

مررنا بمنطقة محطة الرمل.. كنا نشاهد من زقاق ونحن بداخل سيارتنا مدرعة الأمن المركزى تدهس المتظاهرين دهسا! الغاز منتشر من حولنا وأختى الطفلة الصغيرة ذات الخمس اعوام عينيها تذرف دموعا من تأثير الغاز.. ورأينا شابًا مصابا غارقا فى دمه يحاول الجميع اسعافه بكافة الطرق..

ذهبنا لشارع السلطان حسين.. فوجدنا "بوكس" شرطة مولّع! ثم فجأة إطلاق نار من جانب الشرطة وقع على اثرها شابا على سيارتنا غارقا فى دمه مفارقا للحياة.. لم تتمالك أمى نفسها وانفجرت فى البكاء.. ما يحدث أمامنا كان اكثر مما نحتمل.. حاولنا بقدر الإمكان الإبتعاد عن خط النار، واتجهنا للكورنيش، كان كل ما نفكر فيه هو العودة للمنزل سالمين، لكن كل الطرق مغلقة وغارقة فى دماء شباب ونساء ورجال وشيوخ.. لم نكن نعرف ما يجب علينا بالضبط فعله فى تلك اللحظة، قمنا بتوصيل شابا فى كلية حقوق لإمتحانه!! معرفش إزاى إمتحان يوم الجمعة! بس ابوه ترجانا انه لازم يلحق امتحانه بأى شكل.. وسيدتين اخرتين كانتا تريدان الوصول للمنزل بأى طريقة.. اصبحت سيارتنا نوعا ما سيارة إسعاف. ولن انس ذلك الشاب الذى قرر إيقافنا لتصويره بخوذه ضابط، التقط له الصورة وطلب منى رؤيتها ثم نظر لى "الظابط اللى كان بيكدّرنى انا واخويا فى الرايحة والجاية.. علّمت عليه!"

لم نستطع الوصول للمنزل إلا بسلك طريق رشيد تقريبا، طريق مظلم طويل، حتى مررنا بالـ"حضّانة" الخاصة بالشرطة.. وجدناها مُقتحمة من قبل المتظاهرين.. اللى خارج بالتوكتوك بتاعه واللى بيلم "الشيّش" بتاعته – وقتها كان قد اصدر المحافظ قرارا بمنع الشيشة فى الأماكن العامة بالأسكندرية- نزلت اختى من السيارة ووقفت تسجل بكاميرتها ما يحدث.. حتى اطل عليها واحدا من المتظاهرين قائلا "جرى إيه.. إنتى معانا ولا معاهم".. الإجابة معروفة "معاكم يا عم طبعا!"..

عدنا للمنزل فى حدود الساعة التاسعة او العاشرة مساءا.. أكثر من 8 ساعات فى الشارع وسط اصوات الرصاص و صرخات المصابين والشهداء والدخان المتصاعد من الأقسام.

كان مشهد لقائى بالثورة غريبا وعجيبا، كنت انتظر الاستاذ ابراهيم نصر فى اى لحظة ويقول لى عليكى واحد إحنا كنا بنهزر معاكم إتفضلوا هاف آه لافلى داى..
على الرغم من ان الموقف كان كوميديا إلا انه ترك ذكرى مضحكة ممزوجة ببعض الحسرة والألم، فكلما اتذكر منظرنا كعائلة سعيدة رايحة تفطر على البحر ثم فجأة كل تلك المشاهد السابقة دون اى انذار مسبق تظهر على وجهى ابتسامة ثم تتحول لعبوس مع تذكر مشهد الشاب الذى وقع ميتا على "كابّوت" سيارتنا.

فى نهاية الحكاية، أحب ان اشيد بدور التلفزيون المصرى وتغطيته الرائعة الحية، بشكره بجد، يمكن لو كانوا بينقلوا الصورة بصدق مكناش هننزل الشارع واشوف اللى حصل ده "لايف"، لو كانوا نقلوا صورة المظاهرات كان ممكن اصدق ان الشرطة ما أطلقتش النار على حد.. وإن الشهداء فوتوشوب.